ابن خلكان

464

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

مرحبا بزائر لا يملّ ، قال أبو عمر المخزومي « 1 » وكان كثير المجالسة للخليل : ما سمعت الخليل يقولها لأحد إلا لسيبويه . وكان قد ورد إلى بغداد من البصرة والكسائي يومئذ يعلّم الأمين بن هارون الرشيد ، فجمع بينهما وتناظرا وجرى مجلس يطول شرحه ، وزعم الكسائي أن العرب تقول : كنت أظن أن الزنبور أشدّ لسعا من النحلة فإذا هو إياها ، فقال سيبويه : ليس المثل كذا ، بل فإذا هو هي ، وتشاجرا طويلا ، واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه شيء من كلام أهل الحضر ، وكان الأمين شديد العناية بالكسائي لكونه معلمه ، فاستدعى عربيا وسأله فقال كما قال سيبويه . فقال له : نريد أن تقول كما قال الكسائي ، فقال : إن لساني لا يطاوعني على ذلك فإنه ما يسبق إلا إلى الصواب ، فقرروا معه أن شخصا يقول : قال سيبويه كذا وقال الكسائي كذا ، فالصواب مع من منهما ؟ فيقول العربي : مع الكسائي ، فقال هذا يمكن ، ثم عقد لهما المجلس واجتمع أئمة هذا الشأن وحضر العربي ، وقيل له ذلك فقال : الصواب مع الكسائي ، وهو كلام العرب ، فعلم سيبويه أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي ، فخرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه ، وقصد بلاد فارس فتوفي بقرية من قرى شيراز يقال لها البيضاء في سنة ثمانين ومائة ، وقيل سنة سبع وسبعين ، وعمره نيف وأربعون سنة ، وقال ابن قانع : بل توفي بالبصرة في سنة إحدى وستين ومائة ، وقيل سنة ثمان وثمانين ، وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي : توفي سنة أربع وتسعين ومائة ، وعمره اثنتان وثلاثون سنة ، وإنه توفي بمدينة ساوة ، وذكر الخطيب في « تاريخ بغداد » « 2 » عن ابن دريد أنه قال : مات سيبويه بشيراز ، وقبره بها ، واللّه أعلم . وقيل إن ولادته كانت بالبيضاء المذكورة ، لا وفاته . قال أبو سعيد الطّوال : رأيت على قبر سيبويه هذه الأبيات مكتوبة ، وهي لسليمان بن يزيد العدوي : ذهب الأحبّة بعد طول تزاور * ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا

--> ( 1 ) المخزومي في أصل ن ، وضبب عليها وكتب « الجرمي » . ( 2 ) تاريخ بغداد 12 : 195 .